علي بن محمد البغدادي الماوردي

219

أدب الدنيا والدين

وإنما هو جاه يستظل به الأدنى ويرتفق به التابع . وقد قال الشاعر : ظلّ الفتى ينفع من دونه * وماله في ظله حظ واعلم أنك لن تستطيع أن توسع جميع الناس معروفك ولا أن توليهم إحسانك فاعتمد بذلك أهل الفضل منهم والحفاظ واقصد به ذوي الرعاية والوداد ليكون معروفك فيهم ناميا وصنيعك عندهم زاكيا . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا تنفع الصنيعة إلّا عند ذي حسب ودين » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا جعل صنائعه في أهل « 1 » الحفاظ » وقال حسان ابن ثابت رضي اللّه عنه : إن الصنيعة لا تكون صنيعة * حتى يصاب بها طريق « 2 » المصنع فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها * للّه أو لذوي القرابة أودع وقيل في منثور الحكم : لا خير في معروف إلى غير عروف . وقد ضرب الشاعر به مثلا فقال : كحمار السوء إن أشبعته * رمح « 3 » الناس وإن جاع نهق وقد قال بعض الحكماء : على قدر المغارس يكون اجتناء الغارس فأخذه بعض الشعراء فقال : لعمرك ما المعروف في غير أهله * وفي أهله إلّا كبعض الودائع فمستودع ضاع الذي كان عنده * ومستودع ما عنده غير ضائع وما الناس في شكر الصنيعة عندهم * وفي كفرها إلّا كبعض المزارع فمزرعة طابت وأضعف نبتها * ومزرعة أكدت « 4 » على كل زارع وأما من أسدى إليه المعروف واصطنع إليه الإحسان فقد صار بأسر

--> ( 1 ) في أهل الحفاظ : في أهل الدين والإمامة . ( 2 ) طريق المصنع : أي حتى تقع موقعها . ( 3 ) رمح الناس : يقال : رمحه الفرس إذا رفسه . ( 4 ) أكدت : يقال : أكدى الرجل إذا قل خيره ، ومنه قوله تعالى وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى أي قطع القليل أيضا .